المقريزي

164

المقفى الكبير

فبهت حمدان يفكّر ، ثمّ نظر إليه وقال : يا هذا ، ما يملك ما ذكرته إلّا اللّه . قال : صدقت ، واللّه يهب ملكه لمن يشاء . قال حمدان : فما تريد في القرية التي سألتني عنها ؟ قال : رفع إليّ جراب فيه علم سرّ من أسرار اللّه ، وأمرت أن أشفي هذه القرية وأغني أهلها وأستنقذهم وأملّكهم أملاك أصحابهم . وشرع يدعوه . فقال له حمدان : يا هذا نشدتك اللّه إلّا دفعت لي من هذا العلم الذي معك وأنقذتني ، ينقذك اللّه ! فقال : لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهدا وميثاقا أخذه اللّه على النبيّين والمرسلين ، وألقي إليك ما ينفعك . فما زال حمدان يضرع إليه حتى جلسا وأخذ عليه العهد ، ثمّ قال له : ما اسمك ؟ فقال له : حمدان بن الأشعث قرمط ، وأسألك أن تسير معي إلى منزلي حتى تجلس فيه ، فإنّ لي إخوانا أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهديّ . فسار معه إلى منزله ، وجمع عليه حمدان الناس فأخذ عليهم العهد . واغتبط به حمدان لكثرة ما شهده من خشوعه وصيام نهاره وقيام ليله . وشهر أمره في أصحابه حتى كان [ 508 ب ] أغبط الناس به من أخذه إلى منزله . وكان يخيط لهم الثياب فيتبرّكون بخياطته ، ويرتزق من أجرتها إلى أن أدرك التمر ، فوصف لأبي عبد اللّه محمد بن عمر بن شهاب العدويّ ، أحد وجوه الكوفة وعلمائها وفضلائها ، أمر الحسين الأهوازيّ ، فنصبه لحفظ ثمره ، فأحسن القيام في حفظها ، وبالغ في أداء الأمانة ، وخرج عن الحدّ في كثرة التشدّد ، وذلك في سنة أربع وستّين ومائتين . فاستحكمت ثقة الناس بالحسين إلى أن حضرته الوفاة ، فعهد لحمدان بن الأشعث قرمط ، وأقامه مقامه وقضى نحبه . [ حمدان قرمط يخلف حسين الأهوازي بعد وفاته ] : وكان قد استجاب له مهرويه بن زكرويه السلمانيّ الصوانيّ ، وجلندى الرازيّ ، وعكرمة البابليّ ، وإسحاق البورانيّ ، وعطيف النيليّ في آخرين . وبثّ دعاته في السواد يأخذون على الناس العهود . وكان أكبر دعاته عبدان الأهوازيّ ختن قرمط ، فقام في الدعوة وبثّ الدعاة في أعمال السواد بالكوفة ، فدخل في دعوة قرمط بنو ضبيعة بن عجل من ربيعة ، وبنو يشكر بن بكر بن وائل حتى لم يتخلّف عنه رفاعيّ ولا ضبعيّ إلّا ودخل في دعوته ودان بها . ولم يبق من بطون العرب المتّصلة بواسط بطن إلّا استجاب له . فدخل في دعوته كثير من بني عابس ومن ذهل وعنزة وتيم اللّه وبني ثعل ، وهم معظم سواد الكوفة ، فقوي قرمط وأخذ بجمع أموالهم . فكان أوّل ما فرض عليهم « الفطرة » ، وهو درهم يؤخذ من كلّ واحد من الرجال والنساء والصبيان ، فسارعوا إلى ذلك وحملوه إليه . ثمّ فرض عليهم « الهجرة » ، وهي دينار على كلّ رأس أدرك الحنث « 1 » وتلا عليهم قول اللّه تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ التوبة : 103 ] ، وقال لهم : هذا تأويل هذا . فدفعوا ذلك إليه وتعاونوا عليه حتى إنّ من كان منهم فقيرا أسعفوه . ثمّ فرض عليهم « البلغة » ، وهي سبعة دنانير ،

--> ( 1 ) الحنث : الإدراك .